ماب العربية-هيئة التحريرـ بقلم الأستاذة نصيرة بنيوال
الجزء الثالث: من صندوق الاقتراع إلى كرسي المسؤولية.. كيف يفرز المغرب نخبه؟
في الجزءين السابقين، توقفنا عند أهمية الوعي السياسي كشرط للمواطنة الفاعلة، ثم عند كيفية اشتغال المؤسسات الدستورية واختصاصات كل من الحكومة والبرلمان. لكن فهم المؤسسات لا يكتمل دون الإجابة عن سؤال لا يقل أهمية: كيف يصل المسؤولون أصلا إلى مواقع القرار؟
فالكثير من المواطنين يتابعون الحياة السياسية باهتمام، لكنهم لا يميزون أحيانا بين المنتخب والمعين، وبين من يختاره المواطن مباشرة ومن يصل إلى منصبه عبر آليات أخرى. كما يختلط على البعض الفرق بين الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية والمهنية، مما يجعل تحديد المسؤوليات والمحاسبة أمرا أكثر تعقيدا.
ولهذا، فإن بناء مواطن شريك لا يبدأ فقط بفهم اختصاصات المؤسسات، بل أيضا بفهم الطريق الذي يسلكه كل مسؤول قبل أن يصل إلى موقع المسؤولية.
من الانتخابات إلى تشكيل الحكومة
كما أشرنا في الجزء السابق، يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وفق مقتضيات الدستور. لكن تعيين رئيس الحكومة ليس نهاية المسار، بل بدايته.
ففي أغلب الأحيان لا يحصل أي حزب على أغلبية مطلقة تمكنه من الحكم منفردا، لذلك تبدأ مرحلة المشاورات والتحالفات السياسية لتشكيل أغلبية حكومية قادرة على ضمان الاستقرار وتمرير البرامج والسياسات العمومية.
وبعد الاتفاق بين مكونات الأغلبية، يتم اقتراح أعضاء الحكومة وتوزيع القطاعات الوزارية وفق اعتبارات متعددة، منها الوزن الانتخابي للأحزاب، والتوازنات السياسية، والكفاءات المطلوبة لتدبير القطاعات المختلفة.
ومن المهم التذكير بأن الوزير لا ينتخب مباشرة من طرف المواطنين، بل يصل إلى موقعه ضمن التشكيلة الحكومية التي يقودها رئيس الحكومة.
الانتخابات التشريعية: صناعة السلطة التشريعية
تشكل الانتخابات التشريعية المدخل الأساسي لاختيار أعضاء مجلس النواب الذين يتولون ممارسة السلطة التشريعية، والتصويت على القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية.
وعلى خلاف ما يعتقده البعض، فإن البرلماني ليس مسؤولا عن تدبير الإنارة العمومية أو إصلاح الطرق أو جمع النفايات، لأن هذه اختصاصات محلية. فدوره الأساسي يتمثل في التشريع والرقابة والترافع عن القضايا الوطنية والمحلية داخل المؤسسة التشريعية.
وعندما يصوت المواطن في الانتخابات التشريعية، فهو لا يختار شخصا فقط، بل يختار أيضا توجها سياسيا وبرنامجا ورؤية لتدبير الشأن العام على المستوى الوطني.
الجهوية المتقدمة: رهان مغرب المستقبل
إذا كانت الحكومة تدبر السياسات الوطنية، فإن الجهة أصبحت اليوم إحدى أهم ركائز التنمية الترابية بالمغرب.
فمنذ إطلاق ورش الجهوية المتقدمة، لم تعد الجهة مجرد وحدة إدارية، بل أصبحت فضاء للتخطيط الاستراتيجي وجلب الاستثمار وتحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وتكتسي انتخابات الجهات أهمية متزايدة لأنها ترتبط مباشرة بمستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة، وبقدرتها على استثمار مؤهلاتها الطبيعية والبشرية والثقافية.
كما أن أهمية الجهوية ستزداد خلال السنوات المقبلة في ظل الأوراش الوطنية الكبرى، سواء المرتبطة بالنموذج التنموي الجديد أو بتعزيز اللاتمركز الإداري أو بتنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، حيث أصبحت الجهة فاعلا أساسيا في تدبير التنمية وصناعة القرار الترابي.
لهذا، فإن اختيار أعضاء المجالس الجهوية ورؤسائها لم يعد شأنا محليا محدودا، بل أصبح اختيارا يؤثر في مستقبل الاستثمار والتشغيل والتنمية داخل كل جهة.
كيف يتشكل مجلس الجهة ومكتبه المسير؟
ينتخب المواطنون أعضاء مجلس الجهة بالاقتراع المباشر، لكنهم لا ينتخبون رئيس الجهة بشكل مباشر.
فبعد إعلان النتائج، يجتمع أعضاء المجلس المنتخبون لانتخاب الرئيس من بينهم. وبعد انتخابه، يتم تشكيل المكتب المسير الذي يضم نواب الرئيس وكاتب المجلس ونائبه، ويتم ذلك وفق التحالفات والتوافقات التي تتشكل داخل المجلس.
وهنا تظهر أهمية المرحلة التي تلي الانتخابات، لأن موازين القوى والتحالفات هي التي تحدد في النهاية من سيتولى قيادة الجهة وتدبير برامجها ومشاريعها الكبرى.
الانتخابات الجماعية: ديمقراطية القرب
إذا كانت الجهة فضاءً للتخطيط الاستراتيجي، فإن الجماعة الترابية هي المؤسسة الأقرب إلى الحياة اليومية للمواطن.
فالمجالس الجماعية تتولى تدبير عدد كبير من الخدمات الأساسية المرتبطة مباشرة بجودة العيش، مثل النظافة والإنارة العمومية والأسواق والمرافق الجماعية والمساحات الخضراء والتنقل المحلي والتعمير في حدود اختصاصاتها.
ولهذا فإن أثر المنتخب الجماعي يكون ملموسا بشكل يومي في حياة المواطن أكثر من أي مستوى انتخابي آخر.
كيف ينتخب رئيس الجماعة؟
كما هو الحال بالنسبة للجهات، لا ينتخب المواطن رئيس الجماعة بشكل مباشر.
فالمواطن ينتخب أعضاء المجلس الجماعي، ثم يجتمع هؤلاء بعد إعلان النتائج لانتخاب الرئيس من بينهم وفق المساطر القانونية المعمول بها.
وبعد ذلك يتم تشكيل المكتب المسير الذي يتكون من الرئيس ونوابه، ويتولى تنفيذ مقررات المجلس وتدبير الشؤون اليومية للجماعة.
وهذا ما يفسر أهمية التحالفات المحلية، لأن نتائج الاقتراع وحدها لا تحسم دائما هوية الرئيس، بل تحسمها أيضا التوافقات والتحالفات التي تتشكل داخل المجلس المنتخب.
الانتخابات المهنية والنقابية: تمثيل المصالح والقطاعات
لا تقتصر الديمقراطية على الانتخابات السياسية فقط.
فهناك أيضا انتخابات الغرف المهنية التي تمثل الفلاحين والتجار والصناع التقليديين ومختلف الفاعلين الاقتصاديين، إضافة إلى الانتخابات النقابية التي تفرز ممثلي الأجراء للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم المهنية والاجتماعية.
وقد تبدو هذه الانتخابات بعيدة عن اهتمام المواطن العادي، لكنها تساهم بشكل مباشر في تشكيل مؤسسات تمثيلية تؤثر في الحوار الاجتماعي والاقتصادي وفي صناعة عدد من السياسات العمومية.
لماذا يهمنا فهم كل هذه المسارات؟
لأن المواطن الذي لا يعرف كيف يصل المسؤول إلى منصبه، يصعب عليه أن يعرف من يحاسب، وعلى ماذا يحاسب.
فلا يمكن محاسبة البرلماني على اختصاصات الجماعة، ولا محاسبة رئيس الجماعة على قرارات الحكومة، ولا تحميل الجهة مسؤوليات ليست من اختصاصها.
إن فهم مسارات الوصول إلى المسؤولية هو الخطوة الأولى نحو محاسبة عادلة و وعي سياسي ناضج، وهو أيضا السلاح الحقيقي ضد التبسيط والمزايدات التي تختزل الدولة في الأشخاص وتغيب دور المؤسسات.
إذا كنا قد تعرفنا في الأجزاء السابقة على أهمية الوعي السياسي، ثم على المؤسسات واختصاصاتها، ثم على كيفية وصول المسؤولين إلى مواقع القرار، فإن سؤالا آخر يفرض نفسه اليوم:
هل تعكس هذه المؤسسات فعلا جميع مكونات المجتمع؟
وأين تتموقع المرأة داخل منظومة التمثيلية السياسية والانتخابية؟
وهل نجحت الآليات القانونية المعتمدة في تعزيز حضور النساء في مواقع القرار، أم ما زالت هناك فجوة بين النصوص والواقع؟
هذا ما سنناقشه في الجزء الرابع تحت عنوان:
“التمثيلية النسائية بين النص القانوني والواقع السياسي: أين تقف المرأة في معادلة القرار؟”.
أما قضايا المشاركة المواطنة، والاختيار الواعي، والعزوف الانتخابي، وكيف يمكن للمواطن أن يتحول من مجرد متفرج أو ناخب موسمي إلى شريك حقيقي في صناعة القرار، فسنعود إليها في أجزاء لاحقة من هذه السلسلة، لأنها تمثل بدورها ركنا أساسيا في بناء مواطنة واعية ومسؤولة….




