ماب العربيةـ عواطف ادبن سي
من كان يظن أن ملعباً بُني في أطراف عروس الشمال ليحتضن مباريات الدوري المحلي، سيتحول يوماً إلى أيقونة معمارية تشد إليها أنظار العالم؟ اليوم، لا تتحدث طنجة عن مجرد منشأة رياضية تزيد من رصيد بنيتها التحتية، بل عن بيان بصري وثقافي كامل، رسّخته المجلة الإيطالية العريقة “Domus” حين وضعت ملعب “ابن بطوطة” الكبير ضمن قائمة التحف المعمارية الرياضية السبع الأبرز على كوكب الأرض.
لم يكن هذا الاعتراف مجاملة عابرة في صفحات الإعلام المتخصص؛ فمجلة بحجم “دوموس” لا تنظر إلى سعة المدرجات أو حداثة العشب بقدر ما تقرأ فلسفة الفضاء، وتناغم الخرسانة مع روح المكان، وجرأة الخطوط التي تعيد تعريف المشهد الحضري. وفي طنجة، نجحت ورشات التوسعة والتجديد في تحويل هذا الصرح من “استاد” تقليدي إلى تحفة حداثية تتنفس هواء المتوسط والأطلسي، وتستلهم شموخ الجغرافيا الطنجاوية العريقة.
من يقف اليوم أمام مدرجات ملعب طنجة الكبير يدرك فوراً حجم النقلة النوعية. الغطاء الإنشائي الانسيابي، وإلغاء مضمار ألعاب القوى ليقترب نبض الجماهير من رقعة الميدان، والتوزيع الذكي للضوء والظل، كلها عناصر جعلت المنشأة أشبه بتموج بحري عملاق يستقر بهدوء بين هضاب “بوخالف”. لقد غدا الملعب مرآة لمدينة تعيش سباقاً محموماً مع المستقبل، مدينة لم تعد تقبل بأن تكون مجرد محطة عبور، بل عاصمة كبرى لصناعة الحدث الرياضي القاري والدولي.
لكن الأهم من جمالية الحجر والحديد هو تلك الرسالة الرمزية التي يبعث بها هذا التتويج المعماري. إنها شهادة حية على أن المغرب وهو يتأهب لاستحقاقات المونديال، لا يبني ملاعب لمجرد استضافة تسعين دقيقة من الكرة، بل يشيد معالم معمارية تخلّد هوية بلد منفتح على الحداثة دون أن يفرط في أصالته.
ملعب طنجة الكبير لم يعد ملكاً للجماهير الرياضية وحدها؛ لقد دخل رسمياً سجل التراث المعماري المعاصر، كشاهد على طنجة الجديدة التي تصنع مجدها الرياضي بأنامل تجمع بين عبقرية الهندسة ودفء الروح المغربية.




