طبيب الفقراء خلف القضبان.. حين يصبح صوت الطبيب في مواجهة الاختلالات قضية رأي عام!

عواطف ادبن سي1 نونبر 2026Last Update :
طبيب الفقراء خلف القضبان.. حين يصبح صوت الطبيب في مواجهة الاختلالات قضية رأي عام!

ماب العربيةـ عواطف ادبن سي

ليس كل من يرتدي المعطف الأبيض يبحث عن المال أو الشهرة، فهناك أطباء اختاروا أن تكون مهنتهم رسالة إنسانية قبل أن تكون وسيلة للعيش، وأن يكون المريض البسيط في صلب اهتماماتهم، حتى وإن كانت إمكانياته المادية لا تسمح له بالحصول على العلاج في ظروف تحفظ كرامته. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا المعنى، يبرز اسم البروفيسور رشيد شرقاب، المعروف بلقب «طبيب الفقراء»، والذي وجد نفسه اليوم خلف القضبان، في قضية أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة عن واقع الصحة وحرية التعبير وحماية الأصوات التي تجرؤ على الحديث عن الاختلالات داخل المؤسسات العمومية.
إن أكثر ما يجعل هذه القضية مؤثرة اجتماعيا ليس فقط الحكم الصادر في حق طبيب وأستاذ جامعي، وإنما الرمزية التي يحملها هذا الاسم لدى عدد من المواطنين الذين رأوا فيه طبيبا قريبا من الفئات الهشة، وشخصا لم يتردد، وفق ما ترويه مواقف المتضامنين معه، في الدفاع عن المرضى وعن حقهم في خدمات صحية أفضل.
فالمريض البسيط الذي يقف أمام أبواب المستشفيات العمومية، حاملا وصفة طبية لا يستطيع شراء أدويتها، أو ينتظر موعدا طبيا قد يتأخر لأشهر، لا ينظر إلى الطبيب باعتباره مجرد موظف يؤدي ساعات عمله، بل باعتباره أحيانا آخر أمل له في مواجهة المرض والفقر معا. ولذلك، فإن أي قضية تطال طبيبا ارتبط اسمه بمساندة هذه الفئات لا يمكن أن تبقى مجرد خبر قضائي عابر، بل تتحول إلى قضية اجتماعية تلامس إحساس الناس بالأمان والثقة في المنظومة الصحية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن البروفيسور شرقاب كان من بين الأصوات التي أثارت انتقادات وتساؤلات بشأن تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، وجرى تقديم شكايات ومعطيات تتعلق باختلالات مفترضة داخل المؤسسة. غير أن متابعته القضائية انتهت بحكم ابتدائي بسنة واحدة حبسا نافذا، على خلفية تهم تتعلق بالتشهير وانتحال الصفة النقابية.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز شخص الطبيب: هل تستطيع المؤسسات العمومية أن تستفيد من النقد الصادر عن العاملين داخلها، أم أن الخوف من المتابعة قد يدفع بعض الأصوات إلى الصمت، حتى عندما يتعلق الأمر بمشاكل تمس صحة المواطنين وكرامتهم؟
لا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن تتحول الصفة المهنية أو النقابية إلى حصانة مطلقة من المساءلة، لكن في المقابل، لا ينبغي أن يصبح القانون سببا في إضعاف ثقافة التبليغ المسؤول عن الاختلالات، أو في جعل الموظف والطبيب يتردد في التعبير عن ملاحظاته المهنية خوفا من العواقب.
إن حماية المؤسسات لا تكون بإسكات كل صوت ينتقدها، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية للتحقيق في الانتقادات، وتمييز الادعاءات الصحيحة من غير الصحيحة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فالمؤسسة القوية ليست تلك التي لا ينتقدها أحد، بل تلك التي تستطيع أن تواجه النقد بالحقيقة والشفافية والمحاسبة.
ومن زاوية اجتماعية، فإن استمرار مثل هذه القضايا دون توضيح كاف لمآلات الشكايات المرتبطة بتدبير المرافق الصحية يترك المواطن أمام تساؤلات كثيرة. فإذا كان هناك طبيب يبلغ عن اختلالات، فمن حق المجتمع أن يعرف هل تم التحقيق فيها؟ وما النتائج التي خلصت إليها الجهات المختصة؟ وإذا كانت هناك تجاوزات في التصريحات أو المساطر، فمن حق جميع الأطراف أن تستفيد من محاكمة عادلة وضمانات الدفاع.
إن التضامن مع البروفيسور رشيد شرقاب لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكما مسبقا على الملف القضائي، وإنما باعتباره دفاعا عن مبادئ أوسع: كرامة المريض، وحرية التعبير المسؤول، وحماية المبلغين، وحق المجتمع في معرفة حقيقة ما يجري داخل مؤسساته الصحية.
فالسجن قد يحرم الطبيب مؤقتا من ممارسة مهنته، لكنه لا ينبغي أن يحرم المجتمع من حقه في طرح الأسئلة، ولا أن يجعل قضايا الصحة العمومية خارج دائرة النقاش والمساءلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إيلاما: ماذا يقول المواطن الفقير الذي كان يرى في «طبيب الفقراء» ملاذا إنسانيا، عندما يسمع أن الطبيب الذي ارتبط اسمه بمساندة البسطاء أصبح هو نفسه في حاجة إلى من يسانده؟
إن المستشفى يحتاج إلى أطباء يعالجون المرضى، لكنه يحتاج أيضا إلى بيئة تسمح لكل مهني بأن يتحدث عن الاختلالات التي يراها، وأن يفعل ذلك في إطار القانون دون خوف أو تضييق.
فالمرضى لا يحتاجون فقط إلى أسرّة وأدوية وأجهزة طبية، بل يحتاجون أيضا إلى أطباء لا يخشون الدفاع عن كرامتهم، وإلى مؤسسات لا تخشى مواجهة الحقيقة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اخر الأخبار