ماب العربيةـ عواطف ادبن سي
لم تعد ظاهرة التشرد بمدينة طنجة مجرد مشاهد عابرة لأشخاص يفترشون الأرصفة أو يتخذون من زوايا الشوارع والحدائق والأماكن المهجورة ملاذاً لقضاء الليل، بل أصبحت واحدة من القضايا الاجتماعية التي تفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي، في ظل التوسع العمراني الذي تعرفه المدينة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها.
ففي عدد من شوارع وسط المدينة، وبالقرب من المحطات والفضاءات التجارية والسياحية، تتكرر مشاهد أشخاص يعيشون في ظروف قاسية، بعضهم يفترش الأرض ويلتحف بأغطية بسيطة، وآخرون يعانون أوضاعاً صحية ونفسية صعبة، بينما يجد بعض الأطفال والقاصرين أنفسهم في مواجهة مبكرة مع قسوة الشارع ومخاطر الاستغلال والانحراف.
وقد أعادت الحملات التي باشرتها السلطات المحلية خلال الأسابيع الأخيرة، والتي استهدفت الأشخاص في وضعية تشرد والتسول واستغلال الأطفال، هذا الملف إلى الواجهة، خاصة بعد تزايد الشكاوى المرتبطة ببعض السلوكيات والمضايقات التي يتعرض لها المواطنون والزوار في عدد من الفضاءات العمومية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز حدود هذه التدخلات: ماذا يحدث للأشخاص الذين يتم جمعهم من الشوارع؟ وهل تنتهي معاناتهم بمجرد نقلهم من مكان إلى آخر، أم أن الأمر يتطلب تدخلاً اجتماعياً وصحياً مستمراً يضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية؟
إن اختزال ظاهرة التشرد في مسألة احتلال الملك العمومي أو تشويه جمالية المدينة من شأنه أن يحجب الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها. فخلف كل شخص يعيش في الشارع قد تختبئ قصة مختلفة؛ أسرة مفككة، أو فقدان للعمل، أو عجز عن توفير تكاليف السكن، أو اضطرابات نفسية، أو إدمان، أو انقطاع عن الروابط الأسرية، فضلاً عن حالات أشخاص قدموا إلى المدينة بحثاً عن فرصة للعيش، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة واقع أكثر قسوة مما كانوا يتوقعون.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين الذين يقضون ساعات طويلة في الشوارع، سواء في التسول أو بيع المناديل الورقية عند إشارات المرور، أو في ظروف قد تصل إلى المبيت في العراء. وهي أوضاع تطرح أكثر من علامة استفهام حول الحماية الاجتماعية، والحق في التعليم، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على التدخل قبل أن تتحول الهشاشة إلى مسار دائم من الإقصاء الاجتماعي.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل معاناة الساكنة وأصحاب المحلات التجارية والمقاهي الذين يشتكون من بعض السلوكيات المرتبطة بالتسول المتكرر أو المضايقات أو التعاطي العلني للمخدرات في بعض الفضاءات. فحماية المواطنين والزوار والحفاظ على الأمن والسكينة داخل المجال العام مسؤولية أساسية، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب كرامة الأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً اجتماعية صعبة.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الأشخاص الذين يحتاجون إلى الإيواء والعلاج والمواكبة الاجتماعية، وبين الحالات التي ترتكب أفعالاً مخالفة للقانون، حتى لا تتحول المعالجة إلى خلط بين الهشاشة الاجتماعية والسلوك الإجرامي.
ورغم أهمية التدخلات الميدانية، فإن التجربة أظهرت أن الحملات الظرفية لا تكفي وحدها لإنهاء الظاهرة، خصوصاً عندما يعود بعض الأشخاص إلى الشوارع بعد فترة قصيرة من نقلهم أو إبعادهم. فالمعالجة الحقيقية لا تبدأ وتنتهي عند جمع الأشخاص من الأرصفة، وإنما تستوجب معرفة أوضاعهم، وتحديد احتياجاتهم، وتوفير بدائل واقعية تضمن عدم عودتهم إلى الظروف نفسها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تعزيز دور مراكز الإيواء والإدماج الاجتماعي، وتوفير التأطير النفسي والصحي، والتكفل بحالات الإدمان، ومساعدة الأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق إدارية على تسوية وضعيتهم، فضلاً عن إطلاق برامج للتكوين والتأهيل وإعادة الإدماج المهني.
كما أن حماية الأطفال الموجودين في الشارع تستوجب تدخلاً خاصاً وسريعاً، يضع مصلحتهم الفضلى في مقدمة الأولويات، ويضمن إبعادهم عن الاستغلال والتسول ومختلف أشكال المخاطر.
إن طنجة، التي قطعت أشواطاً مهمة في تأهيل بنيتها التحتية وتطوير فضاءاتها الحضرية وتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية، مطالبة اليوم بأن تجعل من العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الهشة جزءاً أساسياً من مشروعها التنموي.
فلا يمكن قياس تقدم المدن فقط بعدد المشاريع المنجزة، أو بجمالية الشوارع والساحات، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على حماية الأشخاص الذين يعيشون على هامش المجتمع، ومنحهم فرصة حقيقية لاستعادة مكانتهم داخله.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال المطروح هو كم شخصاً تم إبعاده من شوارع طنجة، بل كم شخصاً تم إنقاذه فعلياً من التشرد، وكم حالة استفادت من العلاج والإيواء وإعادة الإدماج؟
إن المدينة التي تطمح إلى صورة حضرية متقدمة تستحق أن تكون أيضاً مدينة أكثر تضامناً وإنصافاً، لأن معالجة التشرد ليست مجرد عملية لتنظيف الشوارع، بل اختبار حقيقي لمدى حضور البعد الاجتماعي والإنساني في تدبير الشأن المحلي.




