ماب العربية…
اعده للنشر وصاغ فقراته الدكتور سدي علي ماءالعينين. أكادير ،فبراير،2026.
بين جلال الموت ووحشة النسيان، ترتسم على وجه الأرض لوحة متباينة التفاصيل، تحكي قصة الوفاء والقطيعة بين الأحياء والراحلين. وحين نقف اليوم لنتأمل حال “مدن الصمت” في مغربنا، نجد أنفسنا أمام مفارقة موجعة؛ فبينما تطل علينا مقابر غير المسلمين في مدننا كواحات غناء، يكسوها الاخضرار، ويحكمها نظام هندسي دقيق، وتزينها لمسات جمالية تنم عن رعاية موصولة، تغرق معظم مقابر المسلمين في لجة من الفوضى والإهمال. هناك، خلف الأسوار العالية لتلك المدافن “الأجنبية”، تقرأ في النقاء والزخرفة لغة تبجيل للحياة التي كانت، بينما هنا، بين شواهدنا المائلة، يزحف الإسمنت العشوائي، وتنتصب الأعشاب الطفيلية كأشواك في خاصرة الذاكرة، وكأننا استبدلنا حرمة الميت بضجيج الأحياء وجحودهم.
وتتعمق هذه الهوة النفسية والجمالية حين نضع استثناءً يتيماً يلوح في أفق الشمال، وهي مقبرة تطوان الإسلامية، التي استطاعت بعبقها الأندلسي ونظامها البديع أن تثبت أن الإيمان لا يتنافى مع الجمال، وأن قدسية المكان تكتمل بحسن رعايته. ففي تطوان، لا تشعر أنك غريب عن أحبابك، بل تشعر أن الأرض تحتفي بهم في تناسق يبعث السكينة في النفوس. لكن هذا الاستثناء يظل صرخة في وادٍ سحيق، فبمجرد الابتعاد عن هذا النموذج، نصطدم بواقع مرير يمتد حتى إلى أدق تفاصيل “رحلة الوداع”؛ حيث نجد سيارات نقل الأموات التي باتت اليوم موضوع نقاش عمومي محتدم، تفتقر في كثير من الأحيان للياقة والوقار، وكأن جسد المسلم الذي كرمه ربه حياً وميتاً، قد أصبح مجرد “رقم” في رحلة لوجستية شاحبة، تفتقر لروحانية النقل التي تليق بجلال الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء.
وثمة من يبرر هذا المشهد العبثي لمقابرنا بمنطق غريب، يزعم أن الاندثار والوحشة والتراب المتراكم تشكل “عبرة” للأحياء، وتذكيراً بزوال الدنيا، خلافاً لما تفعله الديانات الأخرى من تجميل للرحيل. غير أن هذا الفهم القاصر يخلط بين “الزهد” وبين “الإهمال”؛ فالعبرة تكمن في المصير لا في القبح، والسكينة تولد من النور لا من القذارة. إن الإهمال الذي يطال مدافننا ليس قدراً إلهياً، بل هو تقصير بشري صريح، وعجز عن تدبير “الفضاء الروحاني” للمدينة. فكيف يكون الركام عبرة وهو فعل أيدٍ عابثة؟ وكيف تكون الفوضى وعظاً وهي نقيض الجمال الذي هو صفة من صفات الخالق؟ إن إكرام الميت يبدأ من لحظة حمله في سيارة تليق بآدميته، وينتهي بمثوىً يزهر فيه الشجر ويستريح فيه البصر، ليكون اللقاء بين الحي والميت لحظة ارتقاء روحي، لا صدمة بصرية بئيسة.
إننا بحاجة اليوم إلى وقفة صدق مع ذواتنا، لنعيد لمدائن موتانا هيبتها المفقودة. فالقضية تتجاوز صراع “سيارات النقل” أو “حفر القبور” إلى عمق فلسفي يمس كرامتنا كأمة تعتز بتاريخها وأسلافها. إن المقبرة ليست مكباً للنسيان، بل هي مرآة تعكس رقي الأحياء أو تخلفهم. وحين يشكو الموتى إلى ربهم إهمالنا، فإنما يشكون انقطاع حبل الود الجمالي الذي أوصانا به ديننا في كل شيء. فليكن إصلاح حال المقابر، وجعلها فضاءات للنقاء والاخضرار والنظام، جزءاً من مصالحتنا مع الموت، وتجسيداً لإيماننا بأن من رحلوا عنا ما زالوا يسكنون فينا، يستحقون منا مأوىً يليق بمقامهم عند رب غفور رحيم، جميل يحب الجمال.




