ماب العربية – تحرير -نصيرة بنيوال
يشهد المشهد الجامعي بمدينة بركان تحولا نوعيا مع الإعلان عن إحداث مؤسستين جامعيتين جديدتين هما كلية علوم المجتمع والمدرسة الوطنية للصناعات الغذائية والحيوية (ENIAB)، في خطوة تعكس دينامية متجددة في تطوير العرض الجامعي بالجهة الشرقية. وتندرج هذه المبادرة ضمن استراتيجية جامعة محمد الأول بوجدة، برئاسة السيد ياسين زغلول، الرامية إلى تقريب التعليم العالي من الطلبة، وتجويد مسالك التكوين، وتعزيز الانفتاح على محيطه الاقتصادي والاجتماعي، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار (PACTE ESRI 2030) وكذا النموذج التنموي الجديد.
لقد شكلت جامعة محمد الأول بوجدة، لسنوات، رافعة أساسية لتنمية الرأسمال البشري بالجهة الشرقية، حيث عملت على توسيع شبكة مؤسساتها وتطوير عروضها البيداغوجية بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي إحداث مؤسسات جامعية جديدة بمدينة بركان استجابة للحاجيات المتزايدة لتعليم عال متخصص ومتاح، كما يعكس إرادة حقيقية لتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى المعرفة، وتمكين شباب المنطقة من فرص تكوين ذات جودة دون الحاجة إلى التنقل نحو مدن أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز كلية علوم المجتمع كإضافة نوعية تروم إعادة التفكير في تدريس العلوم الاجتماعية وفق مقاربة حديثة متعددة التخصصات، تركز على تحليل التحولات المجتمعية، وفهم إشكالات التنمية، واقتراح حلول مبتكرة لها. ومن المنتظر أن تساهم هذه الكلية في تكوين أطر قادرة على الاشتغال في مجالات التنمية المحلية، والحكامة الترابية، والعمل الاجتماعي، بما يعزز دينامية التنمية ويقوي روح المشاركة المواطنة.
أما المدرسة الوطنية للصناعات الغذائية والحيوية (ENIAB)، فتكتسي بعدا استراتيجيا بالنظر إلى تموقع مدينة بركان داخل قطب فلاحي مهم على الصعيد الوطني. ويهدف هذا القطب إلى تثمين المنتجات الفلاحية للجهة الشرقية، مما يجعل من هذه المؤسسة لبنة أساسية في بناء منظومة متكاملة للصناعات الغذائية. وستوفر المدرسة تكوينات متخصصة في مجالات تحويل المنتجات الفلاحية، والتكنولوجيا الحيوية، وسلامة الأغذية، وتدبير الجودة، وهو ما من شأنه دعم السيادة الغذائية للمغرب وتعزيز البحث العلمي التطبيقي المرتبط بحاجيات السوق.
ولم يكن هذا التوجه وليد اللحظة، بل سبقه إحداث المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة (ENIAD)، التي شكلت نقلة نوعية في تموقع بركان ضمن خريطة التكوينات التكنولوجية المتقدمة. وتعد هذه المؤسسة الأولى من نوعها في المغرب، حيث تقدم مسارات تكوينية في الذكاء الاصطناعي، والروبوتيك، وعلوم البيانات، والأمن السيبراني، في انسجام مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تسريع التحول الرقمي. وقد برزت هذه المدرسة من خلال مشاركة طلبتها في مسابقات وطنية، من قبيل بطولة المغرب للذكاء الاصطناعي والبرمجة 2026، مما يعكس جودة التكوين وقدرة الطلبة على التميز والابتكار.
وتندرج هذه الدينامية ضمن إطار وطني شامل يقوده المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار (PACTE ESRI 2030)، الذي يرتكز على أربعة محاور أساسية، تتمثل في:
التميز الأكاديمي: من خلال إصلاح بيداغوجي شامل وتحديث المناهج.
التميز العلمي: عبر دعم البحث التطبيقي وتوجيهه نحو الأولويات الوطنية.
التميز العملياتي: القائم على تحسين الحكامة ورقمنة الخدمات.
تعزيز القيمة الاقتصادية: من خلال تقوية الشراكة مع المقاولة وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال.
كما تتماشى هذه المشاريع مع الرؤية الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد، الذي يعتبر التعليم العالي ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الجهوية المتوازنة، ويؤكد على ضرورة الاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
وسيكون لإحداث هذه المؤسسات الجامعية الجديدة ببركان أثر ملموس على التنمية الجهوية، حيث سيساهم في تعزيز العرض التعليمي وتقليص الفوارق المجالية، إضافة إلى تكوين كفاءات محلية مؤهلة تستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة، خاصة الفلاحة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا الرقمية. كما سيفتح هذا التوجه آفاقا واسعة أمام البحث العلمي التطبيقي، ويعزز من جاذبية الجهة للاستثمار، في إطار رؤية تنموية مستدامة ومندمجة.
وفي الختام، فإن إحداث كلية علوم المجتمع والمدرسة الوطنية للصناعات الغذائية والحيوية، إلى جانب المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة، يشكل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة تعليم عال متكاملة ومواكبة للتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. ومن شأن هذه المبادرات أن تعزز مكانة بركان كقطب جامعي وبحثي صاعد، وأن تساهم في إعداد جيل جديد من الكفاءات القادرة على قيادة مسار التنمية الشاملة بالمغرب.




