ماب العربية ـ متابعة عبد المجيد العزيزي
قراءة من منظور الأستاذة سعاد بامحيل، متخصصة في الاستشارة النفسية الأسرية وباحثة اجتماعية
يحلّ عيد العمال، الذي يُخلَّد في فاتح ماي من كل سنة، كموعد رمزي يتجاوز طابعه الاحتفالي والنقابي، ليطرح أسئلة عميقة حول علاقة الإنسان بالعمل، وحدود التوازن بين متطلبات الإنتاج وضرورات الكرامة الإنسانية. وبين الشعارات المرفوعة في الشوارع، والنقاشات الدائرة داخل المؤسسات، تتجلى أبعاد نفسية واجتماعية تستحق قراءة تحليلية متأنية.
في هذا السياق، تقدّم الأستاذة سعاد بامحيل، المتخصصة في الاستشارة النفسية الأسرية والباحثة الاجتماعية، مقاربة تجعل الإنسان في صلب هذا الحدث، معتبرة أن فاتح ماي يشكّل لحظة سنوية لإعادة الاعتبار للعنصر البشري داخل المنظومة المهنية، بعيداً عن المقاربات التقنية أو الاقتصادية الصرفة.
من الزاوية النفسية، تؤكد بامحيل أن العامل يعيش، في كثير من الأحيان، تحت ضغط متواصل ناتج عن متطلبات الأداء، وهاجس الاستقرار، وضعف الاعتراف داخل بيئة العمل. لذلك، يكتسي هذا اليوم أهمية خاصة، لأنه يلبّي ما تصفه بـ”حاجة الاعتراف”، وهي حاجة أساسية في بناء التوازن النفسي. فإحساس الفرد بأن صوته مسموع، وأن جهده محل تقدير، يعزز ثقته بنفسه ويقوّي انتماءه لمحيطه المهني.
وتبرز المتخصصة ذاتها أن المشاركة في مسيرات فاتح ماي، أو حتى التفاعل الرمزي معها، تتيح نوعاً من التفريغ الانفعالي الجماعي، حيث تتحول الضغوط النفسية المكبوتة إلى تعبيرات منظمة وسلمية. هذا التفريغ لا يقتصر، في نظرها، على الجانب الاحتجاجي، بل يساهم أيضاً في إعادة بناء الشعور بالقوة الجماعية، ويحدّ من الإحساس بالعزلة الذي قد يتسلل إلى الفرد داخل بيئة العمل.
أما على المستوى الاجتماعي، فتشير بامحيل إلى أن عيد العمال يشكّل لحظة تلاقٍ بين فئات مهنية متعددة، توحّدها مطالب مشتركة رغم اختلاف مواقعها داخل السلم الاجتماعي. هذا التلاقي يعزز قيم التضامن، ويكرّس ما يمكن اعتباره “هوية مهنية جماعية” تتجاوز الفردانية وتدفع نحو الفعل المشترك. كما يساهم هذا الحدث في إعادة طرح قضايا محورية، من قبيل العدالة الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل، وضمان الحماية الاجتماعية.
وفي السياق المغربي، يكتسب فاتح ماي دلالة خاصة، حيث تنخرط المركزيات النقابية في تنظيم مسيرات ووقفات تعكس نبض الشغيلة، وتعيد إلى الواجهة ملفات الشغل في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة. غير أن بامحيل تؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في زخم هذا اليوم، بل في القدرة على تحويل رسائله إلى ممارسات يومية داخل أماكن العمل، من خلال ترسيخ ثقافة التقدير، وتعزيز الحوار الاجتماعي، وتحسين شروط الشغل بشكل مستدام.
وتخلص الأستاذة سعاد بامحيل إلى أن عيد العمال لا ينبغي أن يُقرأ كحدث ظرفي، بل كمرآة تعكس مستوى النضج المجتمعي، ومدى قدرة المجتمع على تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج وحقوق الإنسان العامل. فحين يتحول الاعتراف من شعار موسمي إلى ممارسة يومية، يصبح العمل فضاءً للكرامة، لا مجرد وسيلة للعيش.
بهذا المعنى، يظل فاتح ماي محطة سنوية لإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل معادلة العمل، وفرصة لتجديد الالتزام الجماعي بقيم العدالة والإنصاف، في أفق بناء مجتمع أكثر توازناً وإنسانية.




